عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

239

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

والشيخ معي ، فجلس معي قليلاً ، فسررت بذلك سروراً كثيراً ، وحسبت أنه يطيل الجلوس عندي فأتملأ به ، واسأله عن كل ما أريد ، فورد عليه حال ، فقام بعد أن ظهر فيه مبادي السكر ، فحصل في باطني عند ذلك تألم واحتراق لعدم حصول ما أملت ، فقلت له : عند ذلك ما كان لي بمجيئك حاجة ، فقال : ولم قلت ؟ لأني فرحت بمجيئك ، ثم تألمت بقيامك ، فأتى إلي ووضع إصبعه على قلبي ، وقال : هذا موضع الألم ، فسكن ذلك الألم ، وبردت تلك الحرقة كما تبرد النار إذا صبت عليها الماء ، وازددت عند ذلك في اعتقاد فضله علماً ، والحمد لله على المعرفة لهم والصحبة ، وعلى ما خلق بيننا وبينهم من المحبة . ومن هذا الإسكار الذي يفارق به الأغيار ، ولا يرضى فيه إلا بمجالسة الملك القهار أني مررت بجنبه في بعض الأحيان ، وهو جالس على بعض الكثبان ، فناداني إليه ، فجلست معه قليلاً ، وهو منشرح منبسط معي ، ثم ورد عليه وارد أخرجه عن ذلك الحال إلى حال آخر ظهر عليه في مبادي السكر ، فقبض نفسه فيه ، وتنمر ونظر إلي نظرة النشاوي في سكرهم ، وقال : من جالس الملوك لم يرض مجالسة غيرهم ، فقمت عنه هارباً ، ورجعت في طريقي التي كنت فيها ذاهباً ، وكان هذا ضحوة النهار ، ثم رجعت من وجهي الذي توجهت فيه بعد العصر ، فإذا به قد تغير عن ذلك الأسلوب ، ورجع إلى الأسلوب الانبساط المحبوب ، وقد أتى بمركوب يركبه فأقسم علي أن أركب ذلك المركوب ، فركبته ، ومشى هو مع جلالته وضعفه ، وتباين ما بين طرفي نهاره في هيبته ولطفه متحققاً بقول قائلهم : إذا كنا به تهنا دلالاً * على كل الموالي والعبيد ولكنا إذا عدنا إلينا * يعطل دلنا ذل اليهود ومنها أني حكيت له مرة أني قصدت في أيام الحج رجلاً من الصالحين في منى ، فطلبته في منزله ، فلم أجده ، فطلعت بعض جبال منى ، وانعزلت بعيداً من الناس تحت بعض الأحجار ، فبينا أنا كذلك ، لماذا بذلك الرجل الصالح الذي كنت أطلبه معي ، فوقف عندي ما شاء الله ، فلما حكيت لشيخنا المذكور هذه الحكاية تعجيباً له بذلك في ظني قال لي : عسى كان اجتماعكم في المكان الفلاني ، وأشار إلى ذلك المكان بعينه مع عدم تميزه عن غيره تميزاً يهتدي به إليه ، فلما سمعت منه ذلك تعجبت ، وقلت له : الفرسان يمرون علينا ، ولا يسلمون ، فقال : يسلمون بالقلوب ، ثم جمعت بينه وبين الصالح المذكور ، وهو الولي الحبيب خالد بن صالح بن شبيب في المسجد الحرام ليلاً ، فحصل للشيخ خالد بذلك سرور ، فلما افترقا قال لي الشيخ علي : هذا من غزة ، ولم يكن لهما قبل ذلك اجتماع بل بمعرفة القلوب والكشف والاطلاع رضي الله تعالى عنهم ، ونفعنا بهم . ومنها أنه خطر لي في وقت خلوة من أفضل هو أو شخص آخر ،